عبد الوهاب الشعراني

22

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

يعني لم نر أحدا يوافقه على ما يدعيه ويأمرنا به ونحو ذلك ولكن إذا أراد اللّه عزّ وجل أن يعرف عبدا من عبيده بولي من أوليائه ليأخذ عنه الأدب ويقتدى به في الأخلاق ، طوى عنه شهود بشريته وأشهده وجه الخصوصية فيه فيعتقده بلا شك ويحبه أشد المحبة . وأكثر الناس الذين يصحبون الأولياء لا يشهدون منهم إلا وجه البشرية فلذلك قل نفعهم ، وعاشوا عمرهم كله معهم ولم ينتفعوا منهم بشيء وقد اقتضت الحكمة الإلهية عدم الاعتقاد في واحد منهم والإذعان له ، وفي ذلك سر خفي لأنه لو كان الخلق كلهم مصدقين لذلك الولي لفاته أجر الصبر على تكذيب المكذبين له ولو كانوا كلهم مكذبين له لفاته الشكر على تصديق المصدقين له والمقتفين لآثاره . فأراد الحق تعالى يحسن اختياره لأوليائه أن يجعل الناس فيهم قسمين كما تقدم معتقد مصدق ومنتقد مكذب ليعبدوا اللّه عزّ وجل فيمن صدقهم بالشكر ، وفيمن كذبهم بالصبر ، إذ الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر . وسمعت سيدي عليا الخواص رضي الله عنه يقول : النفس إذا مدحت اتسخت وإذا ذمت نظفت ، وكان رضي الله عنه يقول إياك أن تصغي لقول منكر على أحد من طائفة العلماء أو الفقراء فتسقط من عين رعاية اللّه عزّ وجل وتستوجب المقت من اللّه عزّ وجل ، وكان الجنيد رضي الله عنه يقول من قعد مع هؤلاء القوم وخالفهم في شيء مما يتحققون به نزع اللّه تعالى منه نور الإيمان . قلت : ومراده نور الإيمان بذلك الكلام الذي خالفهم فيه لا نور سائر أنواع الإيمان كالإيمان باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فافهم ، ونظير ذلك « لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن » أي بأن اللّه يراه حال الزنا وهكذا . وإنما نهى القوم عن المنازعة لأن علومهم مواجيد لا نقل فيها ، ومن كان يخبر عما يعاين ويشاهد ، لا يجوز للسامع منازعته فيما أتى به بل يجب عليه التصديق به إن كان مريدا والتسليم له إن كان أجنبيا فإن علوم القوم لا تقبل المنازعة لأنها وراثة نبوية وفي الحديث « عند نبي لا ينبغي التنازع » . ونهى صلى اللّه عليه وسلم عن الجدال وقال في المجادل فليتبوأ مقعده من النار ، وكان الشيخ محيي الدين رضي الله عنه يقول أصل منازعة الناس في المعارف الإلهية والإشارات الربانية كونها